«كنت أظن أن عليّ أن آكل عن شخصين من أجل طفلي، فصرت لا أستطيع التوقف حتى عن الحلويات…»
«إلى أي حد يجب أن أنتبه لطعامي أثناء الحمل؟ يبدو الأمر معقدًا بعض الشيء.»
«أُصيب طفلي بالتهاب الجلد التأتبي (الأكزيما)، ولا يفارقني التساؤل منذ ذلك الحين: هل كان طعامي أثناء الحمل هو السبب؟…»
كثيرًا ما أسمع مثل هذه الهموم من الأمهات الحوامل.
غالبًا ما يقتصر الحديث عن غذاء الحامل على التشديد على «الأكل الجيد من أجل الطفل»، لكنني أشعر أن قليلين يعرفون في الحقيقة أن الإفراط في الأكل والعادات الغذائية غير المتوازنة قد يؤثران في طبيعة جسم الطفل مدى الحياة.
في هذا المقال سأشرح لكِ بأبسط طريقة ممكنة، استنادًا إلى ما كشفته الأبحاث الحديثة، كيف ترتبط عادة الإفراط في الأكل أثناء الحمل بخطر إصابة الطفل بالسمنة والحساسية.
والمحتوى مفيد أيضًا لمن تسعى إلى الحمل، فأرجو أن تقرئيه حتى النهاية.
- 1 كيف يؤثر الإفراط في الأكل أثناء الحمل على الجنين؟
- 2 لماذا تفرط الحامل في الأكل؟
- 3 عادات غذائية أثناء الحمل تمهّد لسمنة الطفل
- 4 تأثير غير متوقع للغذاء في تكوين الحساسية والمناعة
- 5 ما هي البرمجة الجنينية (علم التخلّق)؟
- 6 أسئلة شائعة حول الإفراط في الأكل والعادات الغذائية أثناء الحمل
- 7 من أجل مستقبل طفلك ومستقبلك: راجعي اختياراتك الغذائية بدءًا من اليوم
كيف يؤثر الإفراط في الأكل أثناء الحمل على الجنين؟

أثناء الحمل، ينمو الطفل في بطن أمه متغذيًا من دمها.
لكن الأمر لا يقتصر على إيصال الغذاء.
فالعادات الغذائية للأم قد تؤثر في «المخطط» نفسه الذي يُبنى عليه جسم الطفل، وهذا احتمال بدأت الأبحاث الحديثة تكشف عنه.
ويُسمّى هذا «البرمجة الجنينية».
وهي فكرة مفادها أن البيئة التي يعيشها الطفل وهو في الرحم تحدد طبيعة جسمه بعد الولادة ومدى قابليته للإصابة بالأمراض.
ويمكن تشبيه الرحم بورشة يُرسم فيها «المخطط» الذي سيُبنى عليه جسم الطفل.
ويُعتقد أنه إذا وصلت إلى هذه الورشة مواد (عناصر غذائية) أكثر أو أقل من اللازم، تأثرت طريقة رسم المخطط هي الأخرى.
ارتفاع سكر الدم قد يؤثر في استقلاب الطفل
عند الإفراط أثناء الحمل في تناول الحلويات والكربوهيدرات المكررة (الأرز الأبيض والخبز والحلويات والمشروبات الغازية المحلّاة)، يصبح سكر الدم لدى الأم أكثر عرضة للارتفاع المتكرر.
وإذا استمرت حالة ارتفاع سكر الدم هذه، يصل فائض من الغلوكوز إلى الطفل أيضًا عبر المشيمة.
فما الذي يحدث عندئذ؟ قد يُجبَر بنكرياس الطفل على العمل أكثر من اللازم وهو لا يزال في الرحم، و«يتدرّب» على إفراز كميات كبيرة من الإنسولين.
ونتيجة لذلك، تشير تقارير بحثية إلى أن إفراز الإنسولين والحساسية له قد يختلّان بسهولة بعد الولادة، وقد يرتفع خطر الإصابة بالسمنة والسكري مستقبلًا.
أول مرة قرأت فيها عن هذا الموضوع كانت في كتاب عن الصيام.
وتوقفت عن القراءة لا إراديًا عند عبارة تقول: «البيئة الغذائية داخل الرحم تحدد استقلاب الطفل طوال حياته».
إنها تجربة لا يمكنني أن أعيشها بنفسي، ولهذا بالذات أريد أن يعرفها أكبر عدد ممكن من الناس.
العلاقة بين سكري الحمل وبنية جسم الطفل
هل سمعتِ بحالة تُسمّى «سكري الحمل»؟
هي حالة تظهر لأول مرة أثناء الحمل، ويصعب فيها التحكم في مستوى السكر في الدم.
فالجسم أثناء الحمل يكون أصلًا في وضع يسهل فيه ارتفاع سكر الدم، لكي يوصل السكر إلى الطفل.
وإذا أُضيف إلى ذلك الإفراط في الأكل، فغالبًا ما يعجز الإنسولين، وهو الهرمون الذي يخفض سكر الدم، عن مجاراة الوضع.
الإنسولين أشبه بـ«عامل توصيل» ينقل السكر من الدم إلى الخلايا.
فإذا كثرت الطرود (السكر)، لم يعد عامل التوصيل قادرًا على إيصالها كلها، ففاض السكر في الدم.
- وفي هذه الحالة، يُقال إن الطفل يصبح أكثر عرضة لزيادة الوزن المفرطة (ضخامة الجنين).
- كما أفادت دراسات عديدة بأن هؤلاء الأطفال يميلون إلى السمنة بعد الولادة أيضًا.
الإصابة بسكري الحمل لا يحددها الطعام وحده، لكن من المؤكد أن النظام الغذائي اليومي يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا.
فلنحرص على الفحوص الدورية، مع الانتباه لجودة ما نأكله.
وكثيرًا ما لا يسبب سكري الحمل أي أعراض تقريبًا، وعادةً ما يُكتشف من خلال تحليل الدم في الفحوص الدورية.
وحتى لو شُخِّصتِ به، فستتحكمين في سكر الدم عبر تعديل طعامك تحت إشراف الطبيب وأخصائي التغذية.
لماذا تفرط الحامل في الأكل؟
الإفراط في الأكل أثناء الحمل ليس أبدًا دليلًا على ضعف الإرادة.
فجسم الحامل يمر بتغيرات كثيرة ومتنوعة من أجل تنمية الطفل.
لنتعرّف أولًا على الأسباب التي تدفع بسهولة إلى الإفراط في الأكل.
تغيّر الهرمونات يزيد الشهية
عند حدوث الحمل، يبدأ الجسم بإفراز كميات كبيرة من الهرمونات اللازمة لاستمراره.
ويُقال إن تأثير هذه الهرمونات قد يزيد الشهية أو يغيّر الأطعمة التي تفضلينها.
الأمر أشبه بأن الجسم بدأ يستعد قائلًا: «لنخزّن الغذاء من أجل الطفل».
غثيان الجوع: «الجوع لا يُحتمل»
إلى جانب نوع غثيان الحمل الذي يشتد فيه الإحساس بالغثيان، هناك نوع آخر يُعرف بـ«غثيان الجوع»، تشعر فيه الحامل بالتوعك متى خلت معدتها.
وفي فترة غثيان الجوع، تشعرين بالسوء إن لم يكن في فمك شيء، فتزيد مرات الأكل وكمياته دون أن تنتبهي.
وفي هذه الفترة، من المهم أن تختاري أطعمة يمكنك تناولها بكميات صغيرة، بدلًا من أن تكبحي نفسك بالقوة.
ردّة الفعل بعد انتهاء الغثيان وفكرة «الأكل عن شخصين»
كثيرات يجدن شهيتهن تعود فجأة بعد تجاوز فترة الغثيان.
وكردّة فعل على الفترة التي لم يستطعن فيها الأكل، قد يأكلن ما يحببن بالقدر الذي يشأن، فيقفز الوزن دفعة واحدة.
كما أن الاعتقاد بأنه «يجب الأكل عن شخصين» من الأسباب الشائعة للإفراط في الأكل.
- وفي الواقع، الطاقة التي يحتاجها الطفل ليست بالكثرة التي تتصورها الأم.
- والكمية اللازمة تختلف باختلاف مرحلة الحمل، لذا راجعي دفتر صحة الأم والطفل أو التوجيهات التي تتلقينها في الفحوص الدورية لمعرفة الكمية المناسبة لك.
التوتر وقلة الحركة
الحمل فترة يسهل فيها الشعور بالتوتر، بسبب التغيرات الجسدية والقلق من الولادة وهموم العمل والأسرة.
وعندما يتراكم التوتر، يميل المرء إلى التنفيس عنه بالحلويات والأطعمة السريعة.
ثم إن كِبَر البطن يقلل فرص الحركة، فتقل الطاقة التي يستهلكها الجسم.
وإذا تتابعت الأيام دون حركة، انخفضت المعنويات بسهولة، فيقود ذلك بدوره إلى الإفراط في الأكل، في حلقة مفرغة.
وهكذا، كثيرًا ما تتضافر الهرمونات والغثيان والتغيرات النفسية والجسدية وراء الإفراط في الأكل أثناء الحمل.
عادات غذائية أثناء الحمل تمهّد لسمنة الطفل

الوعي بضرورة «الأكل الجيد أثناء الحمل» مهم، لكن تأثير ذلك على الطفل يختلف كثيرًا بحسب نوع الطعام وكميته.
سأعرض لكِ بعض أنماط العادات الغذائية التي ترى الأبحاث أنها تستدعي الانتباه بشكل خاص.
وإن وجدتِ في نفسك أيًّا منها، فأتمنى أن تعيدي النظر فيه شيئًا فشيئًا.
الإفراط في السكريات المكررة والأطعمة المصنّعة
الأرز الأبيض، والخبز الأبيض، والسكر، والحلويات، والمشروبات الغازية المحلّاة.
عند تناول هذه الأطعمة بكثرة يوميًا، تصبح «قفزات سكر الدم»، أي الارتفاع والهبوط الحادّان والمتكرران في سكر الدم، أكثر حدوثًا.
ويُعتقد أن استمرار هذه الحالة أثناء الحمل قد يؤثر في ضبط استقلاب الطفل.
كما يُشار إلى خطر أن تتشكّل مقاومة الإنسولين (حالة يضعف فيها مفعول الإنسولين) منذ مرحلة الجنين.
اختلال توازن الدهون (فائض أوميغا 6)
يميل الغذاء العصري إلى احتواء فائض من «أحماض أوميغا 6 الدهنية» الموجودة في المقليات والسمن النباتي (المارجرين) والوجبات الخفيفة المقرمشة.
وعندما يختل التوازن بين أوميغا 6 وأوميغا 3، يسهل حدوث الالتهاب في الجسم، وقد يؤثر ذلك أيضًا في نمو الجهاز المناعي للجنين.
والحرص على تناول أوميغا 3 من الأسماك الزيتية (الماكريل، والسانما وهو سمك الصوري الياباني، والسردين) والمكسرات يساعد على تحسين بيئة الأمعاء، ويسهم في بناء أساس مناعة الطفل.
زيادة الوزن المفرطة أثناء الحمل بسبب فائض السعرات
لزيادة الوزن أثناء الحمل نطاق مناسب (يختلف بحسب مؤشر كتلة الجسم BMI، وكان يُعدّ في حدود 7–12 كغ تقريبًا، لكن المعايير الجديدة التي أعلنتها الجمعية اليابانية لأمراض النساء والتوليد عام 2021 عدّلته إلى نحو 10–13 كغ لصاحبات الوزن الطبيعي).
ويُقال إن تجاوزه بفارق كبير يجعل الدهون في جسم الطفل تزيد عن الحد.
أي إن الإفراط في الأكل «من أجل الطفل» قد يورثه في النهاية ميلًا إلى السمنة، في مفارقة غريبة.
ولعل أقصر طريق هو تغيير طريقة التفكير والتركيز على الجودة بدلًا من الكمية.
- عادات غذائية تستحق الانتباه بشكل خاص أثناء الحمل
- الإفراط في الأرز الأبيض والخبز والحلويات والعصائر
- الاعتماد الكثير على المقليات والوجبات السريعة
- هل تجاوزتِ بفارق كبير الزيادة الموصى بها في الوزن؟
- وجبات فقيرة بالألياف والخضروات
راقبي «وتيرة الزيادة» في الوزن أيضًا
إن لم تعرفي النطاق المناسب لك، فراجعي دفتر صحة الأم والطفل، أو اسألي الطبيب أو القابلة في الفحص الدوري.
ومن المهم ألا تنظري إلى مقدار الزيادة النهائية فحسب، بل إلى وتيرة الزيادة أيضًا.
فإذا زاد الوزن فجأة في فترة قصيرة، فقد يكون وراء ذلك سبب آخر غير الإفراط في الأكل، كالتورّم (احتباس السوائل).
وإذا وزنتِ نفسك يوميًا في الوقت نفسه وسجّلتِ النتيجة، سهل عليك استشارة الطبيب أو القابلة في الفحص الدوري.
الإفراط في الأكل يرهق جسم الأم أيضًا
عندما يزيد الوزن أكثر من اللازم، يتعرض جسم الأم أيضًا لأعباء مختلفة.
ومتلازمة ارتفاع ضغط الدم الحملي مرض يرتفع فيه ضغط الدم أثناء الحمل.
وتُعدّ السمنة قبل الحمل والزيادة المفرطة في الوزن أثناءه من العوامل التي ترفع خطر الإصابة بهذا المرض.
واستمرار ارتفاع ضغط الدم قد لا يؤثر في جسم الأم فحسب، بل في عمل المشيمة التي توصل الغذاء إلى الطفل أيضًا.
كما أن الزيادة المفاجئة في الوزن تجعل المتاعب الشائعة أثناء الحمل، كآلام أسفل الظهر وتورم القدمين والإمساك، أكثر حدوثًا.
وليس نادرًا أن يبقى الوزن الذي زاد أثناء الحمل بعد الولادة دون أن ينزل، فيتحول إلى هموم مستمرة تتعلق بشكل الجسم والصحة.
إن ظهرت عليكِ أعراض تقلقك، فلا تنتظري الفحص التالي، واستشيري طبيب النساء والتوليد الذي يتابع حملك.
الامتناع المفرط عن الأكل وتقييد الطعام باجتهاد شخصي خطأ أيضًا
وفي المقابل، يُقال إن عدم زيادة الوزن بالقدر الكافي أثناء الحمل يرفع خطر ولادة الطفل صغيرًا، وهو ما يُعرف بـ«انخفاض الوزن عند الولادة».
فالحمل يتطلب توازنًا مناسبًا: «لا كثير ولا قليل».
ولا تتبعي حمية أو تتخطي وجبات أثناء الحمل باجتهاد شخصي لمجرد قلقك من وزنك.
وإن أقلقتك طريقة زيادة وزنك، فالمهم ألا تقللي طعامك بنفسك، بل أن تستشيري الطبيب أو القابلة أولًا.
تأثير غير متوقع للغذاء في تكوين الحساسية والمناعة
أحيانًا أسمع أمهات يقلن: «أصيب طفلي بالأكزيما التأتبية، وربما كان طعامي أثناء الحمل هو السبب».
وهذا قد لا يكون بعيدًا عن الصواب تمامًا.
بيئة الأمعاء أثناء الحمل تؤثر في حساسية الطفل
يُقال إن توازن تريليونات البكتيريا التي تعيش في الأمعاء (بكتيريا الأمعاء) يؤثر تأثيرًا كبيرًا في نمو الجهاز المناعي.
بل يُقال إن نحو 70% من الخلايا المناعية تتركز في الأمعاء.
وبيئة أمعاء الأم أثناء الحمل تنتقل إلى الطفل عند الولادة.
فالطفل يتلقى بكتيريا أمعاء أمه عند مروره في قناة الولادة، لتصبح أساس بيئة أمعائه هو.
أي إن تحسين بيئة الأمعاء أثناء الحمل بتناول الألياف الغذائية والأطعمة المخمّرة قد يسهم أيضًا في الوقاية من الحساسية لدى الطفل.
بل إن مجرد الحرص على تناول النوكازوكي (خضروات مخلّلة في نخالة الأرز) أو الزبادي أثناء الحمل قد يكون هدية لطفلك.
لا داعي لتعقيد الأمر.
أليس مما يبعث الدفء في القلب أن تفكري في أن تراكم العادات الصغيرة هو ما يبني أساس مناعة طفلك؟
كيف يؤدي الإفراط في الأكل إلى اختلال بيئة الأمعاء موضوع شرحته بالتفصيل في مقال آخر، فإن أثار اهتمامك فأنصحك بقراءته.
تنويع الأطعمة قد يساعد على الوقاية من الحساسية
تشير بعض الأبحاث إلى أن الإفراط في أطعمة معينة أثناء الحمل يرفع خطر الحساسية، بينما تشير أبحاث أخرى إلى أن تنويع الأطعمة يخفّض هذا الخطر.
ويبدو أن الأهم ليس تجنب أطعمة بعينها، بل تناول أطعمة متنوعة بشكل متوازن.
وإن كان في عائلتك من يعاني الحساسية وكنتِ قلقة، فاستشيري طبيبك المعالج.
- كما تشير بعض الأبحاث إلى أن استخدام المضادات الحيوية أثناء الحمل قد يخل بتوازن بكتيريا الأمعاء ويؤثر في خطر الحساسية لدى الطفل.
- لا شك أنها ضرورية ويجب استخدامها على النحو الصحيح حين تدعو الحاجة، لكن يُستحسن تجنب استخدامها دون داعٍ.
العلاقة بين الولادة القيصرية وبكتيريا الأمعاء
الطفل المولود بعملية قيصرية لا يمر بقناة الولادة، فيقل تلقيه لبكتيريا أمعاء أمه.
وتلمّح بعض الأبحاث إلى أن ذلك قد يرفع قليلًا خطر الإصابة بالحساسية والربو.
غير أن هذا غالبًا ليس أمرًا يمكن اختياره، لذا من المهم تعويضه بـ«الرضاعة الطبيعية بعد الولادة» و«العناية ببيئة أمعاء الطفل نفسه».
ما هي البرمجة الجنينية (علم التخلّق)؟

هل سمعتِ بمصطلح «علم التخلّق» (الإبيجينيتكس)؟
هو آلية تعني أن الجينات نفسها لا تتغير، لكن طريقة «قراءتها» تتغير بحسب الغذاء ونمط الحياة.
الغذاء يتحكم في مفاتيح الجينات
في أجسامنا جينات كثيرة ومتنوعة.
منها جينات تجعلنا أكثر عرضة للسمنة وأخرى تجعلنا أكثر عرضة للالتهاب، لكن مجرد امتلاكها لا يعني أنها ستنشط حتمًا.
فالبيئة التي ننشأ فيها هي التي تحدد ما إذا كان مفتاحها سيُشغَّل أم يُطفأ.
وإن شبّهنا ذلك بإضاءة الغرفة، فالمصباح (الجين) واحد، لكن إضاءة الغرفة تتغير بحسب ما إذا ضغطنا المفتاح أم لا.
ومن أهم الفترات في هذه «البيئة» فترة وجود الطفل في الرحم.
ويُقال إن غذاء الأم أثناء الحمل قد يؤثر في التعبير الجيني لدى الطفل، ويرفع أو يخفض خطر إصابته مستقبلًا بالسمنة والسكري والحساسية وغيرها.
قد يبدو هذا كلامًا مخيفًا، لكن وجهه الآخر هو أن «تغيير طعامك الآن قد يغيّر مستقبل طفلك نحو الأفضل».
العادات الغذائية قبل الحمل مهمة أيضًا
من منظور علم التخلّق، يُشار إلى أن العادات الغذائية قبل الحمل قد تؤثر أيضًا، لا العادات أثناء الحمل فقط.
- حمض الفوليك والحديد والزنك وفيتامين D… إن الحصول على كفايتك من هذه العناصر الغذائية منذ ما قبل الحمل يشكّل الأساس الذي يدعم النمو الصحي للطفل.
- ولعل الانتباه للغذاء منذ مرحلة «السعي إلى الحمل» هو في الحقيقة الأكثر فاعلية.
وإن كانت دورتك الشهرية غير منتظمة أو كنتِ تعانين اضطراب توازن الهرمونات، فاطّلعي أيضًا على مقال العلاقة بين الصيام وتوازن الهرمونات.
فهو يشرح بالتفصيل تأثير الصيام في الجهاز الهرموني.
تأثير يتخطى الأجيال (التأثير بين الأجيال)
والأكثر إثارة للدهشة أن هناك أبحاثًا تشير إلى أن التغيرات التخلّقية قد تنتقل عبر الأجيال.
أي إن عاداتك الغذائية قد لا تؤثر في أطفالك فحسب، بل في أحفادك أيضًا…
وأظن أن كثيرين أدركوا من جديد، بعد سماع هذا، مدى أهمية الغذاء.
أسئلة شائعة حول الإفراط في الأكل والعادات الغذائية أثناء الحمل
في هذا شيء من سوء الفهم.
فالزيادة الموصى بها في الثلث الثاني من الحمل نحو 250 سعرة حرارية إضافية يوميًا (وفق توصيات وزارة الصحة والعمل والرفاه اليابانية).
والأهم هو تنويع العناصر الغذائية لا زيادة الكمية.
ركّزي على «ماذا تأكلين» بدلًا من «كم تأكلين».
لا داعي لمنعها تمامًا.
أنصحك بحيل «الاستبدال»، مثل الاستعاضة عن السكر بحلاوة الفاكهة، أو تقليل كمية الحلوى بعد الوجبة.
فمحاولة التوقف عن كل شيء دفعة واحدة تولّد توترًا على العكس، لذا فالأسلم أن تقللي منها تدريجيًا.
والتوتر يؤثر في سكر الدم أيضًا، فلا تُرهقي نفسك.
لا يُنصح عمومًا بالصيام أثناء الحمل.
فنمو الجنين يحتاج إلى إمداد غذائي متواصل، ولذلك يُرى أن الامتناع عن الطعام لفترات طويلة يجب تجنّبه.
أما «طرق الأكل التي تمنع قفزات سكر الدم» (كاختيار الأطعمة منخفضة المؤشر الجلايسيمي GI والمشي الخفيف بعد الأكل) فهي مفيدة، لكن احرصي على استشارة طبيب النساء والتوليد المتابع لك قبل تطبيقها.
للأسف، لا يمكن القول إنه «يمكن الوقاية منها تمامًا».
فللحساسية عوامل وراثية أيضًا، ولا يمكن التحكم فيها بنسبة 100% عبر الغذاء وحده.
لكن يُعتقد أن الغذاء الذي يحسّن بيئة الأمعاء، وتنويع الأطعمة، والتقليل من الأطعمة المصنّعة والسكر، قد يخفّض الخطر.
كلما كان أبكر كان أفضل.
فالمرحلة المبكرة من الحمل (خصوصًا قبل الأسبوع 8) فترة مهمة لتكوّن أعضاء الجنين.
أنصحك بالبدء في مراجعة طعامك فور علمك بالحمل.
والأمثل أن تبدئي منذ مرحلة السعي إلى الحمل لتكوني مطمئنة.
من أجل مستقبل طفلك ومستقبلك: راجعي اختياراتك الغذائية بدءًا من اليوم

هل وصلتكِ الفكرة: أن الإفراط في الأكل والعادات الغذائية غير المتوازنة أثناء الحمل قد تكون مرتبطة بخطر إصابة الطفل بالسمنة والحساسية؟
ليس هذا تهديدًا من نوع «هناك أطعمة ممنوعة أثناء الحمل».
بل سأكون سعيدًا لو تلقّيتِ الأمر رسالةً إيجابية: «بتغيير بسيط في عاداتك الغذائية الحالية، يمكنك حماية صحة طفلك وصحتك».
3 أمور يمكنك البدء بها اليوم دون عناء
- قلّلي السكريات المكررة بوعي
خففي قليلًا من الأرز الأبيض والخبز والحلويات والعصائر، وأدخلي الخضروات والبقوليات والحبوب الكاملة - أكثري من الأطعمة التي تحسّن بيئة الأمعاء
احرصي على الأطعمة المخمّرة كالزبادي والميسو (معجون فول الصويا المخمّر) والنوكازوكي (خضروات مخلّلة في نخالة الأرز) والكيمتشي (ملفوف كوري مخمّر)، وعلى الخضروات والفطر والأعشاب البحرية الغنية بالألياف - احصلي على دهون جيدة
عوّضي أوميغا 3 من الأسماك الزيتية (الماكريل والسردين) وزيت بذور الكتان وزيت الإيغوما (زيت بذور البيريلا)، وقلّلي من المقليات والسمن النباتي
وإن كان لديك قلق بشأن زيادة وزنك أو كمية طعامك، فلا تحملي همّك وحدك، واستشيري الطبيب أو القابلة.
الصيام بعد الولادة خيار مطروح
الصيام أثناء الحمل يستلزم استشارة الطبيب، لكن اعتماد الصيام لتحسين طبيعة الجسم قبل الحمل وبعد الولادة (باستثناء فترة الحمل) خيار فعّال جدًا.
والصيام المتقطع (الصيام 16 ساعة) هو ما يُتوقع أن يساعد على تحسين توازن الهرمونات وبيئة الأمعاء واستعادة حساسية الإنسولين.
فإن رغبتِ بعد الولادة في تحسين شكل جسمك وطبيعته، فأتمنى أن تجربيه ولو مرة.
لكن الغذاء المناسب يختلف بحسب مدى تعافي جسمك بعد الولادة ووضع الرضاعة، لذا احرصي على استشارة الطبيب قبل البدء.
ومن حيث التأثير على الطفل، أتمنى أيضًا أن تتعرفي على الصلة بين المناعة والعادات الغذائية، وهي صلة تتشكّل من تراكم العادات اليومية.
وسأكون سعيدًا إن كان ذلك مصدر أفكار لبناء صحة الأسرة كلها.
▼ مقالات ذات صلة
- دليل شامل للمبتدئين: ما هو الصيام المتقطع؟ أنواعه وفوائده وطريقته، ولماذا لا ينقص وزنك، بشرح مبسّط
- لا غنى عنه للنساء: هل تبدأ المرأة الصيام 16 ساعة بـ12 ساعة؟ الطريقة الصحيحة وفق توازن الهرمونات والدورة الشهرية
- خطر إذا أهملته: ما هو اختلال بيئة الأمعاء؟ الأسباب والأعراض والفحص الذاتي وطرق إصلاحها، بشرح مبسّط
▼ شاهد النسخة المرئية من هذا المقال